السيد هاشم البحراني
130
البرهان في تفسير القرآن
ثوب « 1 » الإيمان ، وفلجوا « 2 » بنا في العالمين ، وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين ، من حام مجاهد ، ومصل قانت ، ومعتكف زاهد ، يظهرون الأمانة ، ويأتون المثابة ، حتى إذا دعا الله عز وجل نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، ورفعه إليه ، لم يكن ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة ، أو وميض من برقة ، إلى أن رجعوا على الأعقاب ، وانتكصوا على الأدبار ، وطلبوا بالأوتار ، وأظهروا الكنائن « 3 » ، وردموا الباب ، وفلوا « 4 » الدار ، وغيروا آثار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ورغبوا عن أحكامه ، وبعدوا من أنواره ، واستبدلوا بمستخلفه بديلا اتخذوه ، وكانوا ظالمين ، وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ممن اختاره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لمقامه ، وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري والأنصاري الرباني ، ناموس هاشم بن عبد مناف . ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان ، رجعوا عن ذلك ، وقالوا : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مضى ولم يستخلف . فكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام ، وعن قليل يجدون غب « 5 » ما يعملون ، وسيجد التالون غب ما أسسه الأولون ، ولئن كانوا في مندوحة من المهل ، وشفاء من الأجل ، وسعة من المنقلب « 6 » ، واستدراج من الغرور ، وسكون من الحال ، وإدراك من الأمل ، فقد أمهل الله عز وجل شداد بن عاد ، وثمود بن عبود « 7 » ، وبلعم بن باعورا ، وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة ، وأمدهم بالأموال والأعمار ، وأتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله ، وليعرفوا الاهابة له والإنابة إليه ، ولينتهوا عن الاستكبار ، فلما بلغوا المدة ، واستكملوا الأكلة ، أخذهم الله واصطلمهم « 8 » ، فمنهم من حصب ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أحرقته الظلة ، ومنهم من أودته الرجفة ، ومنهم من أردته الخسفة ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ألا وإن لكل أجل كتابا ، فإذا بلغ الكتاب أجله ، لو كشف لكم عما هوى إليه الظالمون ، وآل إليه الأخسرون ، لهربتم إلى الله عز وجل مما هم عليه مقيمون ، وإليه صائرون . ألا وأني فيكم - أيها الناس - كهارون في آل فرعون ، وكباب حطة في بني إسرائيل ، وكسفينة نوح في قوم نوح ، وإني النبأ العظيم ، والصديق الأكبر ، وعن قليل ستعلمون ما توعدون ، وهل هي إلا كلعقة الآكل ، ومذقة « 9 »
--> ( 1 ) في « ج » : نور . ( 2 ) الفلج : الظَّفّر والفوز . « القاموس المحيط 1 : 210 » . ( 3 ) في « ي » والمصدر : الكتائب . ( 4 ) الفلّ : الكسر والضّرب . « النهاية 3 : 472 » . ( 5 ) الغب : عاقبة الشيء . « القاموس المحيط 1 : 113 » . ( 6 ) في « ج » : المتقلب . ( 7 ) في « ج ، ط » نسخة بدل : عتور . ( 8 ) اصطلمه : استأصله . « القاموس المحيط 4 : 141 » . ( 9 ) المذقة : الشربة من اللبن الممذوق - أي الممزوج بالماء - « لسان العرب - مذق - 10 : 340 » .